الإنسان الرقمي: ما له وما عليه
د. عباس حمزة حمادي
أستاذ الدراسات العليا في الجامعة اللبنانية
Thursday, 04-Jun-2026 06:15

إِعلم أنّ أول ما يقع في النفس أو يرِد إلى الخاطر في اللحظة والتَّو، لدى إطلالة سريعة أو عجولة على لفظتَيْ الإنسان الرقمي (Digital Human)، أنّهما سِيْقَتَا للدلالة على تلك الشخصية الافتراضية المصنوعة حاسوبياً والمشغولة جملة بأدوات الذكاء الاصطناعي والرسوم التفاعلية والصور الناطقة بكل لغات العالم. لكن ليس هذا ما نقصده ونرمي إليه في هذا الباب ولا هو مذهبنا في هذه المقالة.

إنما مُرادنا - تأكيداً لوضع المضمر موضع الظاهر وإزالةً للغموض وإبطاله - شأنٌ آخر؛ أي ذلك الإنسان بالفعل الذي هو من لحم ودم، وأتاحت له الظروف والأحوال أن يجد الأنس والراحة في مجتمع المعلومات وحيازة المُكنة الكافية للتعامل مع تطبيقاته المتنوِّعة بشكل مفرط؛ فانظر من أي مدخل نُدخلك إلى فضائه التكنولوجي.

 

إذاً، نحن حيال فرد اكتسب هُوية رقمية (Digital ID) بعد أن تيسّر له امتلاك مفاتيح المعرفة الرقمية وأقفالها وشيفراتها المُلغِزة المحيّرة. وعليه، نحسب أنّ هذه الهُوية الجديدة كل الجِدَّة، قد أزاحت إلى مشهد خلفي هُويّته الإنسانية ذات المزايا البشرية الكاملة، التي كانت تتقوَّم من خلال مزيج من عناصر آدمية محضّة وتفاصيل مخصوصة اجتُلبت إليه من أب وأم، حتى دخلت في أصل من أصوله؛ كالاسم والميلاد تاريخاً ومكاناً وما يجري هذا المجرى. وكل ذلك لا يُعدّ من الدقائق المستورة والأمور الخفية على أحد.

 

وههنا، أمرٌ يوجب الاستئناف للمتابعة وإيضاح البيان بجلاء، وهو أنّ ثمة سؤالين ملحَّين وحقهما أن يُؤتى بهما وفق التالي: ما للإنسان الرقمي؟ وما عليه؟ ولا يخلو الكلام من هذا وذاك في الأعم الأغلب على ما نرى!

 

واستقصاءً للإجابة عن السؤال الأول؛ أي ما "له" من الفوائد والأعطيات التي لا تكون لغيره! لا بدّ نجد في الحال ومن فورنا؛ الفرادة المعرفية (Cognitive Uniqueness) التي تتمظهر واضحة للعيان على هيئة التميّز البارز في معالجة البيانات وتحليلها واستيلاد الرؤى الإبداعية منها بجودة عالية. وليس هذا فحسب؛ إذ ثمة سرعة لا تدانيها سرعة في الوصول إلى المخرجات الضاربة في تنوُّعها وتغيُّرها وتجدُّدها بلا توقف أو انقطاع، إذ إنّ الرقمنة (Digitization) قد فتحت الأبواب على مصاريعها لتطوير القدرات والتعلم الذاتي.

 

وحتى إذا استقرَّيت ما وراء ذلك، وجدت أنّ المسافات أصبحت بلا أبعاد تذكر أو تكاد تكون كذلك، ما سهَّل عملية التواصل الفوري لإنجاز الأعمال والمهام في وقت أقصر وجهد أقل وتكلفة ليست بذات غَناء، وذلك بمعية الأتمتة (Automation) وإدارة الخدمات بواسطة الأرقام والخوارزميات.

 

أمّا ما "على" الإنسان الرقمي؛ بمعنى ما يواجهه من سلبيات وتحدّيات تعكّر عليه الصفو ولذة التعامل مع الشبكة العنكبوتية؛ فإنّ الحديث متصل باستحالته إلى إنسان مُرَقْمَن (Digitized Human)! لتتعامل معه الشركات التقنية كونه عبارة عن مجموعة أو قائمة من إحصاءات أو كودات (Codes) خوارزمية، يُتحكَّم بها بحسب الحاجة والمنفعة، لكن بسهولة ويسر ومن دون عناء. وهذا ما يزيد في حدة العزلة الاجتماعية (Social Isolation) ويحوّطها بأسيجة حديدية! ومن أبرز معالمها (العزلة) التخلّي عن العلاقات الإنسانية الحقيقية - التي كانت أَبْيَنَ وأقوى قبل العصر الرقمي - إلى الحدّ الأقصى وتراجع العواطف والمشاعر إلى الخلف ونسيانها في مكان قصي من الذاكرة.

 

ومن المقبول في الاستئناف في هذا المقام، الكلام عن فقدان المعنى السامي للقِيَم الإنسانية، عبر اختزال الشؤون الاجتماعية والمشاركة الوجدانية الصافية بتفاعلات سطحية وصور ورموز تعبيرية (Emojis) لا تسمن ولا تغني من جوع. فما قولك في ذلك؟

الأكثر قراءة